اسرار | قراءة تحليلية: صناعة التطرف.. خطاب قائم على فكرة تطويع النص

خدمة أهواء خاصة..

قراءة تحليلية: صناعة التطرف.. خطاب قائم على فكرة تطويع النص

 

اسرار سياسية :

أصوات وأقلام كثيرة تؤكد كل يوم على شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد والمجلات أن التنظيمات المتطرفة المعاصرة الموسومة بالإرهاب هي فكرة أميركية الصنع ومخطط صهيوأميركي جديد على غرار حركة طالبان وتنظيم القاعدة،

وجد لتنفيذ خطة سياسية معينة لخدمة المصالح الصهيونية والأميركية في منطقة الشرق الأوسط الملتهب.

وتبارى كثيرون في تحليل وتفسير وتأويل هذا التنظيم والدور الذي تلعبه الإدارة الأميركية من بعد بغض النظر أو الإشارة القريبة إلى ان تلك الإدارة نفسها تعاني التوتر والقلق وكثيرا من حالات التوجس. لكنني سأخالف هذا الطرح والتوجه الذي تصدر برامج الحوار السياسي وتحليلات الصحف التي أصبحت مادتها الرئيسة الخصبة الحديث عن تنظيمات الفرق الدينية السياسية المتطرفة، بل إن الغرب نفسه أصيب مؤخرا بهذا الهوس في تناول الظاهرة لكن الأمر في منطقة الشرق الأوسط يختلف جد الاختلاف في ضرورة تناول الظاهرة الوافدة على مجتمعاتنا والتي وصلت إلى أعلى معدلات شراستها وغلوها وتطرفها المستعر في الآونة الأخيرة لا سيما ما يحدث بحق جنودنا البواسل بشبه جزيرة سيناء في مصر أو بشأن ما ترتكبه المرتزقة التركية متضامنة مع حكومة الوفاق الليبية غير الشرعية.

لن أقبل بمنطق ومبادئ نظرية المؤامرة التي سيطرت على الفكر العربي والمصري طيلة فترة التسعينيات، وأن أية ظواهر من شأنها تعكير صفو المجتمعات العربية هي مؤامرات خارجية لأن بقبولنا هذه الفكرة والتسليم بهذا المنطق السلبي يحولنا بالفعل إلى أمة ميتة أو بالأحرى حضارات موميائية بائدة.

فمن المستحيل استمراء الارتكاز إلى تفسيرات جاهزة يمكن توصيف أية إحداثيات مجتمعية ذاتية في ضوئها، لذلك كان من الأدعى البحث عن عوامل رئيسة أخرى يمكن جعلها السبب الأساسي في ظهور مثل هذه الحركات الوافدة الجديدة على ثقافة مجتمعاتنا العربية.

أبرز هذه العوامل وأولها على الإطلاق التعليم الديني، فالتعليم الديني رغم صورته المضيئة في الإعلام والسطور الزاهرة عنه في كتب المتخصصين وأبحاث الأكاديميين، فكم من مرة سمعنا فيها عن مبادرات لتجديد الخطاب الديني وتطويره ولم تتم؟ وكم من مرة شاهدنا مؤتمرات لتفصيل وتحليل معوقات الخطاب الديني ولم تفعل توصياتها؟

المشكلة بحق هي مشكلة تعليم ديني لا يزال قابعا في زمن مؤسسه محمد علي باشا، ولم يتطور ولم يطور هو نفسه أدواته وتقنياته التعليمية، وأذكر أنني من قبل كانت لي تجربة التدريس بالمعاهد الدينية، وأعددت بالفعل ثلاث دراسات تم نشرها عن التعليم الديني بتلك المعاهد ورصدت فيها كيف آل هذا المجال التعليمي ومن ترهل علمي وتدهور في تقنيات وبروتوكولات التدريس.

ناهيكم عن بعض النصوص التراثية التي لا يجوز لي توصيفها بالعقم المعرفي كذلك بعض المعارف والقضايا الفقهية التي ترتبط بسياق تاريخي واجتماعي تقفز في أذهان بعض المتعلمين الناشئين الذين هم في الأساس مؤهلون لتقبل نعرات منبرية من شأنها زيادة الاحتقان صوب الآخر. وهذا ليس اتهام ضد المؤسسة الدينية بقدر ما هو دعوة لضرورة تنقية المناهج الدراسية وتأهيل المعلمين معرفيا وثقافيا والحرص في اختيارهم لأنهم يقومون بفعل التنشئة المعرفية والاجتماعية لقطاع كبير من الصبية والشباب.

ولا يمكن أيضا التغافل عن تقصير المؤسسات الدينية التعليمية الضاربة بطول وعرض مصر والتي غاب عنها حدث التنوير الذي فجره أحد أبناء الأزهر الشريف نفسه وهو الإمام المجدد محمد عبده، وأنا أرى أن هناك ثمة مشكلة قائمة بين فكر بعض القائمين على التعليم الديني ومعظم أمراء الخطاب الديني السلفي عبر الفضائيات وبين فكر وطرح الإمام محمد عبده الذي لا تزال مؤلفاته صالحة لهذا الزمان لكنه يشكل صداعا مزمنا ومستداما بعقول بعض الشيوخ الذين يفكرون بمنطق العصور المتأخرة بل ويجدون أنفسهم في حرب مقدسة ضد التنوير والتثوير والاجتهاد الديني بصورة عامة. إذن المشكلة داخلية وليست ثمة مؤامرات خارجية أو كما لهج كثيرون في تعضيد وتكريس نظرية المؤامرة الأميركية، المشكلة هي أنظمة التعليم البائدة والتي استمرت لسنوات بعيدة قبيل ثورات الربيع العربي من جهة، والخطاب الديني الأكثر والأخطر تطرفا وغلوا من جهة أخرى، فمنذ مقتل الرئيس الزعيم محمد أنور السادات والعقل المصري أصبح مرتعا وتربة خصبة لكل فكر وافد من إيران الشيعية أو باكستان التي لا تزال تتعلم العربية الفصيحة أو من بعض شيوخ أفغانستان الذين لا يفطنون أن الإسلام الحنيف بلغ قرونه الأربعة عشر.

وجدير بالذكر أن نشير إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الذي لا يجد قبولا لدى تنظيم حسن البنا وأنصاره وكذلك كافة تيارات الإسلام السياسي المتشددة أقر بضرورة تنقية وتقنين المناهج الدينية بمؤسسات ومعاهد الأزهر الشريف وأضاف أن الأزهر الشريف يعيد النظر في المناهج الأزهرية كافة، ليس بالأزهر فقط بل على مستوى الدولة بالتعاون والتنسيق مع وزارة التربية والتعليم.

لا بد من التفرقة الحاسمة بين الدين كسلطة رادعة تحمل أوامر ونواهي شرعية، والفكر الديني وخطابه الذي يتأرجح من التشدد الى الاستنارة وهذا يؤكد أن التطرف صناعة محلية، والغلو في الرأي والميل صوب التكفير هو إنتاج محلي لا من تأثيرات وافدة كما يظن البعض، ولقد آن الوقت سانحا من أجل تفعيل التطوير والتجديد لخطاب ديني مستنير يستهدف قبول الآخر والسماح بالتعددية وإتاحة الفرصة الكاملة لتحقيق المواطنة. ومن أعجب ما شاهدته على قناة الجزيرة التي أصبحت جزءً أصيلاً من إشاعة البهجة والنكتة لدي وكثيرين مثلي لما تبثه من برامج كوميدية واستضافة شخصيات كارتونية مثل ميكي ماوس وبطوط وعم دهب وتوم وجيري وغيرها من شخصيات تثير مخيلة ابنتي الصغيرة أن تحليل السياسيين الهاربين لقطر ينددون بما يحدث في مصر في أية مشاهد ولو بسيطة دون أدنى إشارة لأحداث قطر الداخلية وكأن القناة الفضائية صممت وأنشئت لمصر وحدها.

وينبغي للأنظمة العربية القائمة أن تدرك وتفطن بوعي شديد إلى تحرك بعض القوى والتيارات الدينية الراديكالية في بعض دول الشرق الأوسط لجعلها دولا وحكومات راديكالية محضة في السنوات المقبلة. ولقد سئمت من بعض الأقلام والأصوات المرتفعة بالسرادقات الثقافية هذه الأيام والتي تؤكد أن الفكر الليبرالي يريد فصل الدين عن السياسة فصلاً تاماً مطلقا وأن الأنظمة العربية الحاكمة والسائدة ترنو إلى هاوية سحيقة بفضل السياسات المدنية حسب زعم تلك التيارات وأصحابها.

 

ولأنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده كما جاء في القرآن (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، وقوله تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). ورغم ذلك فبعض هذه القوى وتلك التيارات التي أزعم أنها صهيونية الصنع والتكوين والتأهيل والإعداد تتيقن شيئاً غير موجود من الأساس، وطالما سمعت منهم هذه الدعاوى تذكرت مقولة الزعيم الهندي غاندي حينما قال “إذا فقدت السياسة عن الدين فقدت معناها، كل طفل في مدرستنا يدري الأنظمة السياسية في الهند، ويعرف أن بلاده تتقد بإحساسات جديدة وبآمال جديدة ولكننا أيضاً في حاجة إلى الضوء الثابت المستقر ضوء الإيمان الديني”.

ويفزعني ما أقرأه وأتابعه من أصحاب بعض هذه الفرق التي انتشرت بشراسة في حشايا الشرق الأوسط التي وراءها خفايا هذه الحملة الشرسة تجاه الليبراليين والليبرالية تلك الكلمة التي تعني إعلاء العقل والحرية بغير مجون أو فسق أو عري أو فساد كما يزعمون أننا نريد فصل الدين برمته وقواعده وأركانه ودعائمه المتينة عن حياتنا وتفاصيلها اليومية.

ولكن نريد لوطننا العربي الكبير الذي لا يزال يمر بفترة مخاض خريف ثائر نسبيا على فترات متقطعة أن تحكمه مرجعية توافقية وليست قمعية كما الوضع فيما يسمى بتنظيم الدولة، هذا سيجعل بالقطع أحد المتشددين ينبري بالهجوم بأن الدين سلطة قمعية، وفي هذا خلاف واضح وجلي طالما شددنا عليه كما يشددون هم على هوائنا ومائنا وموسيقانا أيضا.

لا بد من التفرقة الحاسمة بين الدين كسلطة رادعة تحمل أوامر ونواهي شرعية لا يمكننا الفكاك منها، لأن الدين عميق ومتغلغل في الوعي الجمعي لدينا مسلمين بطوائف شتى سنة وشيعة أم أقباط متمثلين في الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، وبين الفكر الديني وخطابه الذي يتأرجح بين التشدد البغيض، وبين الاستنارة والاجتهاد والتجديد المقبول. فالدين يأمرنا بصلاة زكاة وصيام وحج و ممارسة فضائل سلوكية ومعاملات توجه حياته الفردية والاجتماعية.

وهذا كله لا يستطيع عاقل تجاهله، لكن الخطاب الديني المعاصر والمواكب لإحداثيات الحراك المجتمعي العربي صوب المدنية الذي يشهده الوطن العربي لا يزال يدفع الناس دفعاً لقبول مرجعيات توجه فكره وحياته بغض النظر عن احتياجاته، والزعم أنه خطاب ذو مرجعية دينية. وهذا خطأ واضح وكبير، فهو خطاب مصبوغ بلون ورائحة الدين لا جوهره الخالص، وهو خطاب قائم على فكرة تطويع النص الديني الثابت لخدمة أغراض وأهواء خاصة. وحينما تظهر أصوات معارضة لهذا الخطاب المدجج والمدغدغ للقلوب والأسماع وربما العقول، نجد من يصادر علينا الرأي بأن ما نسطره من أوجه اعتراض هو مرض عضال يصيب النخبة فقط لأننا غير قادرين على الاتصال بالجماهير والمواطنين.

وهكذا تبدو الصورة في أذهان أصحاب هؤلاء الذين يصرون على تشديد ملكهم وسط ما تعاني منه بعض الدول العربية كالعراق الممزق ولبنان المشتتة واليمن الذي لم يصبح سعيدا وليبيا التائهة من مشكلات تبدأ بالإجابة عن سؤال ماذا سنفعل براهننا الآني وتنتهي بالفوضى التي أصبحت شعاراً لهذه الأوطان المفتتة نسبيا وسط صراعات حزبية وطائفية، وكأننا حينما وقف الثائرون في الميادين التاريخية بهذه البلدان يعلنون في صراحة بأن الشعب يريد إسقاط النظام، لم يكونوا على وعي وعمق دراية، بل النظام ليحل محله الفوضى.

وكم أنا أسخر جلياً من الكثير من المفكرين وأرباب التوجهات الليبرالية في الوطن العربي بل الشرق الأوسط الكبير ؛ لأنهم شغلوا أنفسهم بقضايا ألقاها التيار الديني بمسمياته المتعددة في طريقه، فنسيوا الطريق ونسيوا المهمة ونسيوا الهدف وراحوا يتيهون بين الصيدليات بحثاً عن علاج للقضايا الوهمية التي فجرها الخطاب الديني مثل الدستور أولاً، لا بل الانتخابات، لا بل حقوق المرأة العربية، لا بل البحث عن شرعية المبادئ الدستورية،

وغير ذلك من القضايا والظواهر السياسية التي أرهقت المواطن العربي منذ سنوات مضت. بينما القوى والتيارات التي لا تريد بالوطن العربي دولة مدنية حضارية تشدد ملكها في زوايا ومناطق شتى، ومن خلال وسائل وقنوات اتصال تقليدية ألفوها وألفناها على مر عهود وعقود طويلة، لعل أبرزها إلقاء التهم والتخوين ونزع الوطنية بالإضافة إلى سرد القصص والحكايا العجيبة التي تؤيد فكرتهم في اقتناص السيادة،

وهم بذلك لا يفطنون إلى كارثة محققة، فماذا سيحدث إذا ما هب الناس ثانية كما هبوا في وجوه الأنظمة الحاكمة المنصرمة حتى أسقطوها، فهل بصنيعهم المرتقب يكونوا قد ثاروا ضد النظام أم ضد الدين نفسه ؟. وأنا شخصياً لا أظن أن التثوير يكون ضد الدين أبداً، فالفطرة لا ترفض سلطة إلهية فوقية توجه السلوك والقيم والمعتقدات الشخصية،

ولكن تأبى وتمقت وجود مرجعية لم يشارك المرء فيها و لا تحمل صدى لأحلامه ومطامحه الفريدة والاجتماعية.المرء لا يهرب بعيداً عن دين يرقى بسلوكه وفكره وآليات حياته اليومية، لكنه يهرب بعيداً عن سلطة تتحدث باسم الخلافة، وهي على الشاطئ الآخر تشدد ملكاً عضوضاً. ومن حق كل مصري أصيل يحب الوطن بدليل أنه لم يفكر في الهجرة إلى ستديوهات الجزيرة أو الاختفاء في قنوات إعلامية لا هوية لها، أو قرر تدشين خيمة ثورية في ميدان تقسيم بتركيا الزاحفة وراء حلم زعامة وهمية، أن يسدي النصيحة لوطن يعيش فينا لا أن يتقمص دور الانتهازي الذي يشبه السيدة الريفية الجالسة أمام باب بيتها لتلتقط نقيصة لهذه وعيباً لتلك، ومصر اليوم حقاً كما ذكر الرئيس عبد الفتاح السيسي في معركة وجود وستنتصر بإذن الله، لأننا ذاهبون لا محالة،

ويبقى الوطن بأبناء جدد وأحفاد يحلمون في رفق ليحققوا أحلامهم المشروعة. وما دمنا نتحدث عن ممكن السياسة ومستحيلها، فمن ممكنها أن يدرك عابثو الوطن قدر مصر ومكانتها واستحالة استلابها على أيدي فصيل أو تيار أو عصابة أو قبيلة مهما بلغت عددها ومؤيدوها من الكثرة والقوة وبسطة المال، وأن مصر ليس نقطة انطلاق لتحقيق خلافة خارج أراضيها، وينبغي عليهم أن يسترشدوا بكل سطر كتبه الرائع جمال حمدان في كتبه التي شكلت عقول النابهين. ومستحيلها أي السياسة أن مصر بدأت بالفعل في جمهورية ثالثة بغير تصنيفات اعتاد المصريون أن يمارسوا هوسهم الاستثنائي بصددها هل هي دينية أم عسكرية أم مدنية أم ليبرالية، وهي باختصار مصر العظيمة.

المصدر

شارك